أبي الفرج الأصفهاني

231

الأغاني

وكان الفضل بن الربيع يطعن عليه ، فقال للأمين : إنّما يعرّض بك ويستبطىء المأمون في محاربته ؛ فأمر به فضرب خمسين سوطا وجرّ برجله ، وجفاه مدّة ، / حتى ألقى نفسه على كوثر فترضّاه له وردّ إلى خدمته ، وأمر له بخمسة آلاف دينار . فلمّا قدم المأمون تقرّب إليه بذلك ، فلم [ 1 ] يقع له بحيث يحبّ ، وقال له : إنّ الملك بمنزلة الأسد أو النار ، فلا تتعرّض لما يغضبه ، فإنه ربّما جرى منه ما يتلفك ثم لا تقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه [ 2 ] ، ولم يعطه شيئا . غضب الأمين على إبراهيم الموصلي بعد موته لتقديم اسم المأمون عليه في شعره وترضاه ابنه إسحاق : ومثل هذا من فعل الأمين ، ما حدّثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال : دخلت على الأمين فرأيته مغضبا كالحا ، فقلت له : ما لأمير المؤمنين - تمّم اللَّه سروره ولا نغّصه [ 3 ] - أراه كالحائر ؟ قال : عاظني أبوك الساعة لا رحمه اللَّه ! واللَّه لو كان حيا لضربته خمسمائة سوط ، ولو لاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه . فقمت على رجلي وقلت : أعوذ باللَّه من سخطك يا أمير المؤمنين ! ومن أبي وما مقداره حتّى تغتاظ منه ! وما الذي غاظك فلعلّ له فيه عذرا ؟ فقال : شدّة محبّته للمأمون وتقديمه إيّاه حتّى قال في الرشيد شعرا يقدّمه فيه عليّ وغنّاه فيه ، وغنّيته الساعة فأورثني هذا الغيظ . فقلت : واللَّه ما سمعت بهذا قطَّ ولا لأبي غناء إلَّا وأنا أرويه ، ما هو ؟ فقال : قوله : / أبو المأمون فينا والأمين له كفنان من كرم ولين فقلت له : يا أمير المؤمنين لم يقدّم المأمون في الشعر لتقديمه إياه في الموالاة ، ولكنّ الشعر لم يصحّ وزنه إلَّا هكذا . فقال : كان ينبغي له إذ لم يصحّ الشعر إلَّا هكذا أن يدعه إلى لعنة اللَّه . فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن . فلمّا قدم المأمون سألني عن هذا الحديث فحدّثته به ، فجعل يضحك ويعجب منه . مدحه عبد اللَّه بن طاهر : حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر قال : سمعت أبي يقول : لو خيّرت لونا من الطَّعام لا أزيد عليه غيره لاخترت الدّرّاجة [ 4 ] ؛ لأني إن زدت في خلَّها صارت سكباجة [ 5 ] ، وإن زدت في مائها صارت إسفيد باجة [ 6 ] ، وإن زدت في تصبيرها بل في تشييطها صارت

--> [ 1 ] في « الأصول » : « ولم » بالواو . [ 2 ] في ب ، س : « منك » وهو تحريف . [ 3 ] في « ج ، ب ، من » : « ولا نقصه » بالقاف . [ 4 ] الدراج ( بالضم ) : ضرب من طير العراق أسود باطن الجناحين وظاهرهما أغبر ، على خلقة القطا إلا أنه ألطف . وجعله الجاحظ من أقسام الحمام لأنه يجمع فراخه تحت جناحيه كما يجمع الحمام . [ 5 ] السكباج : مرق يعمل من اللحم والخل ، معرب « سكبا » مركب من « سك » أي خل ، ومن « با » أي طعام . ( عن كتاب الألفاظ الفارسية المعربة « ) . [ 6 ] الاسفيدباجة : لون من الطعام يتكوّن من البصل والزبدة ومن أشياء أخرى . ( عن « القاموس الفارسي الإنكليزي » لاستنجاس ) . ويبدو أن هذا التعريف لا يتفق مع ما يدل عليه سياق العبارة هنا ، فإنه يدل على أنها تصير ضربا من الحساء .